السيد محمد تقي المدرسي
379
التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)
عند الله وأفضل ( ولكنا نجهل نقاط قوتهم ، ونتعالى عليهم فلا نرى إلا نقاط ضعفهم ) . وينهانا القرآن عن أن نعيب بعضنا لمزاً ( بالقول أو بالعقل ) أو أن نتبادل الألقاب السيئة ( مما يزيل حجاب الحياء وينشر الحالة السلبية ) . فبئس الاسم اسم الفسوق بعد أن اجتبانا الله للايمان ، واختار لنا به أحسن الأسماء . ( بلى ؛ إن صبغة المجتمع الاسلامي هي صبغة الله التي تشع حسناً ، فلماذا نصبغ مجتمعنا بأسوء الصفات عبر التنابز بالألقاب البذيئة ؟ ) وهكذا يوصينا ربنا سبحانه باجتناب الظنون ( إلّا الظن الذي يدعمه الدليل القاطع ) ، لأن بعض الظن إثم ( ولعله الظن الذي يحوله صاحبه إلى موقف عملي ) . وينهانا عن التجسس ( الذي هوالتحقق من الظن السيء ) ، وعن الغيبة التي يعتبرها كأكل لحم الأخ ميتاً . أولسنا نكره ذلك ؟ ويأمرنا في الخاتمة بالتقوى ( حتى لا تصبح الغيبة بتكرارها أمراً مألوفاً وغير مستقبح ) ، ويؤملنا رحمته وتوبته ( حتى لا نيأس من تطهير أنفسنا ومجتمعنا من هذه الرذائل ) . ومن هذه البصيرة ، نستوحي الحقائق التالية : 1 / بداية فساد العلاقة بين الانسان ونظيره الانسان ، تتمثل في تضاؤل قيمة الانسان كانسان في عينه . وآنئذ لا يحترم الناس بعضهم ، ويبحث كل عن منقصة في صاحبه يسخره بها ، ويدعي لنفسه مكرمة يفتخر بها . بينما لو أنصفنا أنفسنا لعرفنا ان سر احترامنا لأنفسنا ، هو اننا بشر نملك العقل والإرادة ، ونتحسس بالألم واللذة ، ونتحلى بالحب والعواطف الخيرة . . أفلا توجد كل هذه في أبناء آدم جميعاً ، فلماذا أطالب باحترام الناس لي ، ثم لا احترم غيري ، وما يوجد عندي يوجد عندهم ؟ تعالوا ننظر لحظة ببصائرنا ؛ حين أسخر من إنسان نظير لي في كافة صفاته ، أفلا يعني ذلك أني أسخر من نفسي أيضاً ؟ بلى ؛ الذين يكفرون بقيمة الإرادة والعقل والحب والعواطف في أنفسهم ، هم الذين يكفرون بها في غيرهم ، ثم يسخرون منهم . إنهم ينسلخون من إنسانيتهم ، ثم يسمحون لأنفسهم بانتهاك حرمات غيرهم . من هنا يشرع السياق في اجتثاث جذور الشقاق الاجتماعي بالنهي عن السخرية بالآخرين ، قائلًا : يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِن قَوْم